يحيي بن حمزة العلوي اليمني
35
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
ترى ، ومن التقديم في الرتبة قوله تعالى : هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ [ القلم : 11 ] فإن الهماز هو المغتاب ، وهو لا يفتقر إلى مشى ، بخلاف النميمة فإنها تفتقر إلى نقل الحديث من شخص إلى شخص ، وما كان مجردا فهو سابق في الرتبة على ما كان له تعلقات بغيره ، وقوله تعالى مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ [ القلم : 12 ] إنما قدم على قوله : مُعْتَدٍ أَثِيمٍ [ القلم : 12 ] لما كان المنع مقصورا على نفسه والعدوان له تعلق بغيره ، وهكذا قوله عُتُلٍّ فإنه الفظّ الغليظ ، والزنيم له تعلق بالغير من جهة أنه الدعي وهو المنسوب إلى غير أبيه فله تعلق بالغير . ومن التقدم في الشرف قوله تعالى : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ [ المائدة : 6 ] وقوله : وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ [ المائدة : 6 ] فإن الوجه أشرف من اليد ، والرأس أفضل من الرجل ، ومنه قوله النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ [ النساء : 69 ] فإن النبي أشرف من الصديق وقوله : وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ [ النساء : 69 ] فإن الشهداء أعلى درجة من غيرهم من أهل الصلاح ، ومن هذا قوله تعالى : وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ [ الملك : 23 ] وقوله إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ [ الإسراء : 36 ] وقوله : سَمِيعٌ بَصِيرٌ [ المجادلة : 1 ] وقوله تعالى : فَما أَغْنى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصارُهُمْ [ الأحقاف : 26 ] فأما تقديم الإنس على الجن فهو الأكثر الوارد في القرآن من أجل شرفهم على الجن كقوله تعالى لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ [ الرحمن : 74 ] وقوله تعالى : فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ [ الرحمن : 39 ] وقوله تعالى : وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً [ الجن : 5 ] وغير ذلك ، فأما قوله : يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ [ الرحمن : 33 ] فإنما ورد مقدّما هاهنا على الإنس ، من أجل اشتمالهم على الملائكة كما قال وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً [ الصافات : 158 ] حيث قالوا : الملائكة بنات الله ، وكما قال الأرحبي « 1 » : وسخّر من جنّ الملائك سبعة * قياما لديه يعملون بلا أجر فحيث كان متناولا للملائكة قدموا لفضلهم ، وحيث كان الخطاب مقصورا على الثقلين قدم الإنس لفضلهم ، والأجود أن يقال : إنما قدم الجن هاهنا لما كان المقام مقام خطاب بامتثال الأوامر في العبادة في قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ [ الذاريات : 56 ] فقدمهم لما كانت المخالفة منهم في ترك العبادة أكثر من
--> ( 1 ) انظر البيت في لسان العرب ( جنن ) وهو منسوب للأعشى ؛ وليس في ديوانه .